الجصاص

519

أحكام القرآن

ومن سورة محمد صلى الله عليه وسلم بسم الله الرحمن الرحيم قال الله تعالى : ( فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب ) . قال أبو بكر : قد اقتضى ظاهره وجوب القتل لا غير إلا بعد الإثخان ، وهو نظير قوله تعالى : ( ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض ) [ الأنفال : 67 ] . حدثنا جعفر بن محمد بن الحكم قال : حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال : حدثنا أبو عبيد قال : حدثنا عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى : ( ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض ) [ الأنفال : 67 ] قال : " ذلك يوم بدر والمسلمون يومئذ قليل ، فلما كثروا واشتد سلطانهم أنزل الله تعالى بعد هذا في الأسارى : ( فإما منا بعد وإما فداء ) فجعل الله النبي والمؤمنين في الأسارى بالخيار ، إن شاؤوا قتلوهم وإن شاؤوا استعبدوهم وإن شاؤوا فادوهم " شك أبو عبيد في " وإن شاؤوا استعبدوهم " . وحدثنا جعفر بن محمد قال : حدثنا جعفر بن محمد قال : حدثنا أبو عبيد قال : حدثنا أبو مهدي وحجاج كلاهما عن سفيان قال : سمعت السدي يقول في قوله : ( فإما منا بعد وإما فداء ) قال : هي منسوخة نسخها قوله : ( فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) [ التوبة : 5 ] . قال أبو بكر : أما قوله : ( فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب ) وقوله : ( ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض ) [ الأنفال : 67 ] وقوله : ( فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم ) [ الأنفال : 57 ] ، فإنه جائز أن يكون حكما ثابتا غير ، منسوخ وذلك لأن الله تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بالإثخان بالقتل وحظر عليه الأسر إلا بعد إذلال المشركين وقمعهم ، وكان ذلك في وقت قلة عدد المسلمين وكثرة عدد عدوهم من المشركين ، فمتى أثخن المشركون وأذلوا بالقتل والتشريد جاز الاستبقاء ، فالواجب أن يكون هذا حكما ثابتا إذا وجد مثل الحال التي كان عليها المسلمون في أول الاسلام . وأما قوله : ( فإما منا بعد وإما فداء ) ظاهره يقتضي أحد شيئين من من أو فداء ، ذلك ينفي جواز القتل .